عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

40

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كثيرين من أهل اللّه تعالى ، فلم يتحدث عليها أحد قبلي ، فليتأمل فيها فهي من نوادر الوقت ، وهذا مجلى من كشف له عنه ذاق لذّة اتصاف اللّه بأوصافه ، فإذا ترقى فيه بلغ إلى معرفة كيفية الاتصاف بأوصافه ، وفيه التناهي والدخول فافهم ، على أنه لا يفهمه إلا المتهيئون للكمال المقرّبون من ذي الجلال والإكرام ، وكم دون هذا المقام من أسمر وحسام : أولع قلبي من زرود بمائه * ويا ولهى كم مات ثمة والع ولي طمع بين الأجارع عهده * قديم وكم خابت هناك المطامع هذا قد مضى ، ولنا في هذا المعنى كلام آخر وهو مضادّ للمعنى الأول في ظاهر اللفظ ، وإلا فلا تضادّ ، ولأن متضادات الحقائق جميعا كلها متحدة المعنى في الحقيقة ، وذلك أن الصفات من حيث الإطلاق هي معاني معلومة ، والذات هي أمر مجهول ، فالمعاني المعلومة أولى بالإدراك من الأمر المجهول ، فإذا قد صحّ عدم الإدراك فيها أعني في الصفات ، فلا سبيل إلى إدراك الذات بوجه من الوجوه ، فعلى الحقيقة لا صفاته مدركة ولا ذاته . واعلم أن اسمه الرحمن على وزن فعلان ، وهو يكون في اللغة لقوّة اتصاف المتصف به وظهوره عليه ، ولذا وسعت رحمته كل شيء حتى آل أمر أهل النار إلى الرحمة . واعلم أن هذا الاسم تحته جميع الأسماء الإلهية النفسية وهي سبعة : الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ؛ فأحرفه سبعة الألف وهي الحياة ؛ ألا ترى إلى سريان حياة اللّه في جميع الأشياء ؛ فكانت قائمة به : وكذا الألف سار بنفسه في جميع الأحرف حتى أن ماثم حرف إلا والألف موجودة فيه لفظا وكتابة ، فالباء منه ألف مبسوطة ، والجيم ألف معوجة الطرفين ، وكذلك البواقي . وأما لفظا فإن الحرف إذا بسطته وجدت الألف من بسائطه أو من من بسائط بسائطه ولا سبيل إلى أن تفقده ، فالباء مثلا إذا بسطته قلت باء فظهرت الألف ، والجيم مثلا إذا بسطته قلت جيم ياء ميم والياء توجد فيها الألف ، والميم كذلك وجميع الأحرف على هذا المثال ، فكان حرف الألف مظهر الحياة الرحمانية السارية في الموجودات ، واللام مظهر العلم ، فمحل قائمة اللام علمه بنفسه ومحل تعريفه علمه بالمخلوقات ؛ والراء مظهر القدرة المبرزة من كون العدم إلى ظهور الوجود ، فترى ما كان يعلم وتوجد ما كان يعدم ؛ والحاء مظهر الإرادة ومحلها غيب الغيب ؛ ألا ترى إلى حرف الحاء كيف هو من آخر الحلق إلى ما يلي الصدر ، والإرادة كذلك مجهولة في نفس اللّه فلا يعلم ولا يدري ماذا يريد فيقضي به ، فالإرادة غيب محض ؛ والميم مظهر السمع ،